السيد كمال الحيدري

162

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

بالمراتب الأعلى وواقعة في باطنها . فهذا النوع من التفاوت في الوجود الذي يُعرف ب « التفاوت بالشدّة والضعف » يُدعى أيضاً ب « التفاوت الطولي » أو « التشكيك في الوجود » « 1 » . والنظريّة التي ذهب إليها الشيخ الرئيس من أنّ الوجود حقائق متباينة تقبل بأنّ الله سبحانه وتعالى واحد ، وأنّ الموجِد واحد ، وأنّ عالم الإمكان الذي أوجده الله تعالى كثير ، ولكن هذا الكثير لا يوجد على مبناه فيه ترابط . ومن هنا وجِّه إشكال عويص على مسألة الحقائق المتباينة في الوجودات الإمكانيّة ، وهو أنّ هناك قاعدة فلسفيّة تقول : بأنّ الواحد لا يصدر منه إلّا واحد ، فإذا كان الموجد واحداً بحسب أدلّة التوحيد ، والواجب واحد لا ثاني له ، فكيف صدر منه هذا العالم الكثير ؟ وحاول الشيخ الرئيس أن يتوسّل بنظريّة العقول العشرة كي يوجِّه الكثرة في العالم ، وهذه النظريّة تفيد بأنّ الله أوجد العقل الأوّل ، والأوّل أوجد الثاني ، والثاني أوجد الثالث . . . إلى أن نصل إلى العقل العاشر وهو العقل الفعّال . وأمّا منظومة صدر المتألّهين ففيها أنّ الوجود هو الأصيل ، وأنّ عالم الإمكان وجودات متكثّرة ، ولكنّها لا تقبل بأنّ هذه الوجودات حقائق متباينة بتمام ذواتها . وهنا فإنّ هذه الموجودات وإن كانت عند صدر المتألّهين كثيرة ولكنّها ترجع إلى وحدة ؛ ولذلك آمن بنظريّة التشكيك الأخصّي « 2 » .

--> ( 1 ) القواعد الفلسفيّة العامة في الفلسفة الإسلاميّة : ديناني ، د . غلام حسين الإبراهيم ، تعريب : عبد الرحمن العلوي ، دار الهادي ، بيروت ، 1428 ه 2007 م : ج 2 ص 76 . ( 2 ) يُطلق التشكيك على موارد مختلفة : فقد يُطلق على الشكّ في مقابل اليقين كما في اللغة . / / وقد يُطلق على المفهوم الكلّي الذي يصدق على أفراد كثيرة ، ويكون وصفاً للمفهوم بلحاظ صدقه على أفراده ، فإن كان حيثيّة ما به الاشتراك غير حيثيّة ما به الامتياز يسمّى تشكيكاً عاميّاً ، فما به الاشتراك ماهيّة ، وما به الامتياز ماهيّة أخرى ، وهذا في المنطق . وقد يُطلق على ما يسمّى بالتشكيك الفلسفي ، ويكون وصفاً للحقيقة الخارجيّة ، وهذا التشكيك يختلف عن السابق بأنّ ما به الاشتراك عين ما به الامتياز ، ويسمّى التشكيك الخاصّي ، وهذا التشكيك هو المقصود بالبحث .